الحج الى دلمون

آثار البحرين - Bahrain Archaeology
صورة العضو الرمزية
جهاد
مشاركات: 674
اشترك في: الأربعاء مايو 19, 2010 11:38 am

الحج الى دلمون

مشاركة بواسطة جهاد »

«الحج» إلى دلمون

المنامة - علي أكبر بوشهري

في رحلة لرجل مؤمن، قرر الحج إلى «الأرض المقدسة» وهو اللقب الذي يطلق على أرض «دلمون»، حدثت هذه الحكاية قبل 4750 سنة مضت. فبالقرب من قلعة البحرين عثر على قطعة صغيرة، حجمها 13 في 9 مليمترات، أي بحجم ظفر الإصبع الوسطى، من حجر العقيق الكريم. وقد نقشت عليه عبارة من أربعة أسطر «28 كلمة»، كتبت بأول كتابة عرفها تاريخ الانسان، ألا وهي الكتابة التصورية، التي بدأ استخدامها في بلاد الرافدين قبل حوالي 5200 سنة قبل الميلاد.
نشأت الكتابة التصورية بدائية، فمثلا ترسم هيئة رجل ليقرأ «رجل»، وترسم هيئة هلال ليقرأ «هلال»،... الخ. ويصعب فهم الكلمات التركيبية التي تتكون من كلمتين أو أكثر لبناء كلمة جديدة مثل اسم دلمون.

بعد دراستي لهذا الحجر، توصلت إلى أن هذا الحجر هو أقدم كتابة عثر عليها في البحرين عن دلمون. هذا إضافة إلى سرده لحكاية شيقة، تضم معلومات تاريخية لم يسبق أن عرفت عن دلمون. والقصة الآتية تستند على اكتشاف هذا الحجر.

كانت دلمون أرضا طاهرة ومقدسة لدى الحضارات المجاورة، مثل سومر وأكاد وغيرهما. أرضا وصفت بالفردوس، حيث أنها كانت الباقي المتبقي من فردوسهم المفقود، كما ذكرته أساطير الرافدين والكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل. وكانت أرضا يحج إليها المؤمنون باعتبارها أرض الخلود وملتقى الآلهة الأقدمين، مثل «أنكي» إله الحكمة وحامي علوم الحضارة. والشيّق في الأمر هو أن معبد حامي علم الكتابة كان موجودا على جبل دلمون المقدس، «جبل الدخان» حاليا، والإله «أنيل» إله السماء الذي عين «غبنه» إله القمر في هذا المنصب في معبد علم الكتابة. ولإله القمر معبد في المستوطنة الأثرية في قرية سار.

يحكي لنا الحاج أنه ترك مدينته «أوروكو» التي هي إحدى ثلاث مدن متجاورة في منطقة لاجاش، وفي فترة لاحقة اتحدت وأصبح اسمها المشترك مدينة «جيروس» أو جرش. ترك هذا الحاج مدينته بعد أن حصل على بركة وحماية آلهة مدينته، آلهة «بابا»، آلهة التكاثر والشفاء والطيبة العظيمة والمسئولة عن الطب، كذلك لقب الآلهة العظيمة والمرأة الحسنة. ترك مدينته بقصد الحج إلى دلمون وذهب باتجاه الأسفل «جنوبا»، حيث شروق الشمس، قاصدا مياه الخليج.

كان الحاج قاصدا أرض دلمون التي وصفها على هذا الحجر، فهو قد ذهب إلى الأرض المقدسة، إلى دلمون، والتي وصفها بالأرض الطاهرة، حيث تشرق الشمس هناك، والتي يوجد بها الجبل الأسود «جبل الدخان». يلاحظ القارئ تشابه اسمي «الجبل الأسود» و«جبل الدخان»، وهذا راجع إلى ظاهرة وجود نوع من الدخان أو الغبار، يشاهد عن بعد من جبل الدخان. إلا أن هذا الدخان يختفي عند الوصول اليه، والسبب هو أن هذا الدخان ما هو إلا انعكاس لأشعة الشمس على الطبقات الحجرية المحيطة به وبالمنطقة المجاورة له. من هنا اعتقد الأقدمون، ومنهم الرافديون والدلمونيون، أن هذا الجبل له ميزة مقدسة، فأطلقوا عليه «الجبل الأسود»، ونطلق عليه نحن «جبل الدخان».

ويكمل الحاج حكايته، بأن دلمون كان يحكمها ملك امتد سلطانه إلى ما وراء الأراضي البعيدة، إلى ما وراء الجبال. وقد ذكر الحاج أن هذا الملك كان اسمه «بابار»، وهذا الاسم له شبه باسم قرية «باربار». وقد رجع في حينه من الأرض البعيدة، بعد أن وسّع رقعة ملكه، وذلك بقبول شعب تلك الأرض التبعية له، بعد أن ارتكب فيه المجازر.

ومن خلال تلك المعلومات المقتبسة من هذا الحجر، ثبت اكثر أن المنطقة الشرقية في السعودية أو الاحساء، كانت جزءا لا يتجزأ من ممكلة دلمون، وذلك منذ فترة قريبة من قيام مملكة وثقافة دلمون. أي أن دلمون كانت تضم جزر البحرين «مملكة البحرين» والاحساء. بالإضافة إلى أننا عرفنا بأن دلمون كانت مملكة منذ نشأت، حيث نعرف أن فيها ثقافة عامرة ومستقلة منذ حوالي 3200 ق.م. وعليه ذكر بأن دلمون كانت مملكة منذ فترة لا تقل عن 4750 سنة مضت، أو يزيد على 5200 سنة. ولا يدري هذا الحاج بأنه قد وثق اسما لملك دلموني، ملك بابار. وأثبت كذلك بأن مملكة دلمون لم تكن فقط مملكة تجارية، بل كانت مملكة ذات قوة عسكرية احتلت أراضي بعيدة فيما وراء الجبال. أين كانت هذه الأرض؟! هذا الأمر غير ثابت ولم يكشف عنه، إلا ان هناك احتمالين الأول ضعيف، وهو الساحل الشرقي للخليج، والاحتمال الثاني وهو الأقرب، هي بلاد «ماجان» الواقعة في سلطنة عمان.

وفي نهاية الرسالة المنقوشة على الحجر، كتب الحاج ما يدل على نفسه. حيث نقش كلمة «الذي خرج» أربع مرات متكررة، وقد عنى بذلك الرحالة أو الحاج.

وأعتقد أن هذا الرجل الذي حج من مدينته «أوروكو» إلى الأرض المقدسة «دلمون»، قد أوصى بنقش حجر العقيق هذا كذكرى لرحلة حجه، إلا أنه فقده في الأرض المقدسة. وذلك خسارة له ولكنه بالطبع نفع لنا



صحيفة الوسط البحرينية - العدد 15 - السبت 21 سبتمبر 2002م الموافق 14 رجب 1423هـ

العودة إلى ”آثار البحرين - Bahrain Archaeology“